الشيخ محمد النهاوندي

639

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

إن قيل : إنّه ثبت بالتّواتر أنّ المصلوب بقي حيّا زمانا طويلا ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع ولقال : إنّي لست بعيسى ، بل إنّما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف ذلك ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق ، فلمّا لم يكن من ذلك أثر ، ولم يوجد في دفتر ، علمنا أنّه ليس الأمر كما ذكر . قلنا : أمّا على تقدير كون المصلوب مؤمنا قد قبل هذا الأمر لنفسه ، فهو لم يكن يظهر الأمر البتّة ، وأمّا على تقدير كونه عدوّا ، أو مؤمنا منافقا ، فقد نقل أنّه أظهر ذلك ، وقال : إنّي لست بعيسى ، فلم يقبلوا منه ، وكان عاجزا عن إثبات دعواه . ثمّ أنّه تعالى بعد ما بشّره بالبشارتين الرّاجعتين إلى نفسه المقدّسة ، بشّره بكرامة أتباعه المؤمنين به حقّ الإيمان بقوله : وَ إنّي جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ في العقائد والأعمال ، وآمنوا بك حقّ الإيمان ، ولم يغلوا فيك كمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وأتباعه المؤمنين به فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك من اليهود المكذّبين ، والنّصارى الغالين فيك ، بالغلبة عليهم بالسّيف ، والعزّة والحجّة ، من الآن إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وجاعل الذين خالفوك تحت سلطان المؤمنين ، أذلّاء مقهورين ثُمَّ إِلَيَّ في يوم القيامة مَرْجِعُكُمْ ومرجع مخالفيكم بالبعث والنّشور فَأَحْكُمُ إثر رجوعكم إليّ في ذلك اليوم بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ في الدّنيا فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وتتنازعون من الكفر والإيمان ، والعقائد والأعمال . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 56 ] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة حكومته بينهم مفصّلا بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ، وجحدوا رسالتك ودينك فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل ، والسّبي ، والذّلّة ، والمسكنة ، وأخذ الجزية ، والأمراض والمصائب التي هي العقوبات الزائدة في حقّ الكفّار على عقوبات الآخرة ، ومن ألطافه تعالى في حقّ المؤمنين ، لكونه ابتلاء لهم ، ورفع درجة . وفي الْآخِرَةِ بالنّار ، والسّلاسل والأغلال ، وسائر ما اعدّ للكفّار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ وحامين ينجونهم من أحد العذابين فضلا عن كليهما .